نصر الدين الفاضلابي

أجمل يوم في عمري

زمن إضافي .. نصرالدين الفاضلابي
*قضيت ليلة 9 ديسمبر 1989م بين اليقظة والأحلام، الأرق سيطر على مضجعي والخوف هزم يقيني، كانت ليلة طويلة ومليئة بالهواجس والظنون تتخللها نوبات تفاؤل (تخفف) قبضة حبال الضغط النفسي والتفكير السالب وقد التفت حول عنق أحلامي وطموحاتي وأشواقي المسافرة إلى مقاطعة بنين النيجيرية.
*بدأت خيوط الفجر تتسلل من عمق الظلام واقتربت لحظة الهرولة إلى (سوق مدينة الشجرة العريق) لمعانقة المكتبات ومطالعة الصحف ومعرفة آخر تفاصيل بعثة المريخ العظيم وهي تستعد عصر ذلك اليوم لأداء أخطر وأهم مباراة للفرقة الحمراء في تاريخها الحديث والقديم.
*كان يوما للحصاد، حصاد محصول من العرق والدماء سالت على جبال وأدغال قارة الأسود والأبطال، صال وجال المريخ وجندل الأبطال من شرق القارة إلى غربها ومن شمالها إلى جنوبها وبإجماع كل الفنيين كان الأحق والأجدر ببطولة كأس الكؤوس الإفريقية (كأس مانديلا)، كان المريخ في ذلك العام مختلفا في تفاصيله ووسيما في طلّته الفنية شرسا في قتاله وبحثه عن النصر وبالضربات (القاضية) كشفه مرصع بالنجوم (المهارة.. القوة.. الروح القتالية.. الرغبة في الانتصار وتحقيق المحال.
*غابت وسائل التواصل الاجتماعي في ذلك الزمن عن المشهد ولم تكن موجودة في ذهنيّة النّاس، كانت حقبة فاصلة بين بدائية الاتصال والتواصل (السلكية واللاسلكية) قبل أن (تدفر) سيول تكنولوجيا الاتصالات الحديثة وتتطور على مدار الساعة لتغمر كل مساحات الكون، المدن والأرياف، البوادي والقرى والحضر، الطرقات والمنازل وغرف النوم.
*لاسبيل للحصول على المعلومة إلا عبر الوسائط الإعلامية الثلاث (المرئية والمسموعة والمقروءة)، إذا انقطعت تلك الوسائط انقطع المتابع والمهموم بالأمر عن الحدث إلا من خبر واحد فقط يحمل جزءًا أو نصف التفاصيل وقليلا من التحليل، وكان ذلك حالنا في يوم عرس المريخ وإنجازه وإعجازه التاريخي، كانت الإذاعة غياب (لأسباب فنية) وذهب التلفزيون القومي لتسجيل المباراة وليس بثها مباشرة فقد أعلن عن فشله في ذلك قبل أيام من الموقعة، عدد من الإعلاميين بالصحف سافروا مع البعثة واصطدموا بصعوبة التواصل مع صحفهم لعدم تعاون أصحاب الضيافة مع الإعلام رغبة في (التعتيم) فقد كان الغرض حاضرا.
*مرّت ساعات النهار بطيئة وشعرت في كثير من اللحظات بأنّ عقاربها قد توقفت، زادت خفقات القلب ونحن نقترب من لحظة (تقرير المصير)، سحب (شتويّة) تغطي شمس الظهيرة وهي رافضة للغياب وتظهر بين الفينة والأخرى، السحب في نهار الشتاء عادة ما تبشر (ببرد قارس) سينزل ليلا، ولكنّه استعجل الوصول وهو يتسلل في العظام والأجسام الراجفة والواجفة في انتظار نتيجة الامتحان.
*لا إذاعة ولا تلفزيون ولا هواتف ولا رسائل قصيرة أو طويلة، قلق.. ترقب.. توتر نفتح الإذاعة لا خبر نهرول نحو التلفزيون لا جديد، القلب أرهقه الخفقان والبدن أوهنه الضغط النفسي والتفكير العميق في احتمالات الفرح ونكبة الحزن والخسارة.
*صرخة من داخل الغرفة وشقيقي يصيح بأعلى صوته: (أسرع قطعوا الإرسال وختو نجمة في الشاشة)، سرت نحو التلفاز كما يسير المركب نحو الشلال، ولحظة وصولي ظهرت الإعلامية انتصار مصطفى ترتدي ثوبا باللونين الأحمر والأصفر والنجمة خلفها تغطي مساحات الفرح وتتمتد على مليون متر مربع.
*أعلن لحظتها فوز المريخ بكأس مانديلا بعد تعادله مع بندل يونايتد النيجيري بدون أهداف وهو الفائز عليه هنا في أمدرمان بهدف كمال عبد الغني، هزم المريخ التحكيم والتنجيم والألوف.. هزم الأرض المبتلة والإنسان المتعصب، والحكومة المتآمرة، وأحكم قبضته على أول وآخر بطولة قارية لنادٍ سوداني.
*كانت لحظة فارقة بين الشحن والتوتر وهياج الفرح الدافق، أطلقنا ساقينا للريح ونحن نركض في كل الاتجاهات فكانت الفوضى الخلاقة، وثورة الأحمر العاتي، وقد وصفها عيسى حياتو رئيس الاتحاد الإفريقي وقتها قائلا: (المريخ يد السودان الواحدة التي صفقت) امتلأت الطرقات بالحشود ومسيرات الفرح الهادر، احتفلت المدن والقرى والأرياف، البوادي والحضر وشبّ جيل كامل على عشق الأحمر الوهاج.
*خرجت صحف نيجيريا في اليوم التالي بخط عريض عن المباراة (الحرية تأتي لمانديلا من السودان) فقد أطلق سراح المناضل الإفريقي الجسور نيلسون مانديلا الذي تحمل البطولة اسمه في نفس العام الذي فاز فيه المريخ بالبطولة.

إضافة أخيرة:
هذا أجمل يوم في عمري..
///////////////////

بمناسبة الذكرى 31 لفوز المريخ بكأس مانديلا نعيد نشر مقالة الاديب الأريب الراحل المقيم حاج حسن عثمان احتفاء بتلك المناسبة التاريخية والملحمة البطولية:
المريخ بحر والنصر له سحاب
القبطان حاج حسن عثمان

وخرج الفتى المحب المدنف يبحث عما يقدمه مهراً لحبيبه الغالي.. وكان لابد أن يليق المهر بالحبيب وأن ينتزع انتزاعاً من براثين الأسود وفكاك السباع.. وعلى ضفاف المحيط الهندي في (تنزانيا) صرع الفتى الأسود الإفريقية واحداً تلو الآخر، وكان آخر الصرعى شباب تنزانيا في عرينه وبين أهله.. وعاد الفتى بكأس (سيكافا) مهراً لعرسه.
وتهامست بعض العاذلات أنّ المهرلا يليق بالحبيب الجميل المهيب (القاني) فخرج الفتى المحب المدنف غازياً يبغى مهر حبيبه من لؤلؤ خليج العرب فإذا به يعود يحمل المهر كاساً ذهبية تأخذ بمجامع القلوب ويخطف بريقها الأبصار وضعه تاجا على هامة الحبيب فازدان التاج فوق تلك الهامة السامقة كنخيل الشمال ذي الطلع النضيد.
وكان أرستقراط الزمالك القاهري هم صرعاه هذه المرة!!! وتأجج في قلوب العاذلات الحقد واضطرمت فيها نار لا تبقي ولا تذر فقالت نسوة المدينة هذه ضربة حظ وأنّ المهر لم يزل بعيداً عن التحقيق!! ومرة ثالثة خرج الفتى المحب المدنف يلتمس مهراً لم يسبقه إليه ولا يدانيه في المهور مهر.. وبدأ رحلة المهر الغالي هذه المرة من الشمال الإفريقي من شاطئ المتوسط اللازوردي !! وتحت زيتونة لا شرقية ولا غربية وريفة الظلال معطاءة بدأ الصراع مع البنزرتي التونسي ثم استدرجه للخرطوم ليصرعه ذات مساء عليل النسيم مضيء الكواكب المتناثرة.. دافئ بحرارة أنفاس أهل الفتى المحب المدنف!! ثمّ صارع الكنغولي في أمدرمان فصرعه ثمّ سار إليه متوغلاً في الغرب الإفريقي حتى اذا أطل على شاطئ الأطلنطي صارعه في عقر داره وهو بين أهله وعشيرته فأصابه في مقتل وعاد أدراجه تاركا أهل الكنغو يبتلعون غصصهم. ثمّ من بعد سار إلى كينيا بلاد جومو والماماو الذين يسلخون جلود أولاد جون بول ويعلقونها على جذوع الشجر فصارع قورماهيا ولم يخشى من عيال جومو وعاد بطعنة واحدة لينازلهم في أمدرمان فوكزهم فقضى عليهم !!.
وجاءت الأخبار يحملها الأثير أنّ الفتي المحب المدنف سوف ينازل فتى من بلاد الهوسا كانت له صولات وجولات أهلته لملاقاة فتى السودان وحكوا عن فتى الهوسا ما حرك العاذلات وحقدهن القديم الدفين وكدن يقسمن أو لعلهن أقسمن أن فتى الهوسا هو الفائز بالمهر الغالي وكان لقاء الصناديد الأول بملعب السودان ونازل فتانا فتى الهوسا وأصاب منه المقتل.. ثمّ شدّ الرحال على جناح الطائر الميمون تحيط به أكف الضراعة إلى المولى العلي القدير وتكلؤه رعايته حتى إذا بلغ شاطئ الأطلسي حطّ رحاله، ثمّ كانت ليلة السبت الغراء فالتقى ببندل يونايتد فتى الهوسا بين دق الطبول وصيحات الحرب تزلزله تلك الطبول فإذا به يجندل بندل في عقر داره وبين ظهراني أهله وعشيرته وينتزع منه كأس الكؤوس الإفريقية هديّة لحبيبه الغالي عليّ الجناب رفيع العماد!!.
وبعد فلا غرو أنّ المريخ بحر والنصر بالنسبة له سحاب!! والبحر يمطره السحاب وما له فضل عليه لأنه من مائه…
عاش مريخ السودان
بل عاش سودان المريخ

عن admin

شاهد أيضاً

من سلطنة عمان سلام ****الإعلام رسالة  سامية والقلم أمانة.

  * يعتبر الإعلام بجميع أشكاله وسيلة فعالة لنشر الخبر ولفت الأنظار لحدث (ما) ،،، …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *